| 

في أيار 1973 كتبت جريدة "البيرق" عن الوجود الفلسطيني في لبنان تقول ان الفلسطينيين حلوا ضيوفا على لبنان عام 1948 و"سكنوا حيث حلا لهم" ونعموا بالضيافة اللبنانية أسوة بسواهم من المقيمين إلا انهم ما لبثوا ان تحولوا الى "جيش احتلال". هذه عيّنة من تفسير سائد لحروب 1975ـ 1990 بتحميل المسؤولية فيها الى "الفلسطينيين" وهو تفسير لن يلبث ان يتحول الى التفسير الراجح بين دعاة "حرب الآخرين". وللرواية ملحق هو ان الحرب اندلعت بسبب "مؤامرة التوطين". ولك ان تختار بين منوعاتها بين ان تقول ان "الفلسطينيين" هم الذين أرادوا "التوطين" في لبنان او انه "أريد" توطين الفلسطينيين في لبنان. ومتروك لك البحث عن الفاعل المجهول.
مضى وقت قبل ان تتكشف الدعوة الى رفض التوطين عن حقيقة انها دعوة الى اعادة توزيع الفلسطينيين المقيمين في لبنان، وخصوصا سكان المخيمات، على الاقطار العربية وما يتعداها. واعادة التوزيع هذه هي التعبير المطلف عن التهجير.
وقصة اعادة التوزيع الى الخارج قديمة. سوف نأتي الى ذكرها. على ان ما يعنينا هنا هو ايضا وخصوصا النظر في واحد من اوجه المكبوت في العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية. وهو الطريقة التي جرى بها التوزيع الداخلي للوافدين الفلسطينيين على مخيمات اللجوء. فإذا كان زعم "البيرق" انهم "سكنوا حيث حلا لهم" مستبعد التصديق، يثور السؤال عن العوامل التي تحكّمت بتوزيع البشر والمخيمات على النحو الذي استقرت عليه الحال؟
في لبنان الآن 12 مخيما فلسطينيا. ثلاثة منها في منطقة صور (البص والبرج الشمالي والرشيدية) واثنان في منطقة صيدا (عين الحلوة والمية مية) واربعة في بيروت والضواحي والجوار (مار الياس، شاتيلا، برج البراجنة، الضبية) ومخيم واحد في بعلبك ("ويفل") ومخيمان اثنان في طرابلس (نهر البارد والبداوي). كان العدد الأصلي 15 مخيما، دمر الطيران الإسرائيلي مخيم النبطية ودمرت ثلاثة مخيمات خلال حروب 1975ـ1990 (تل الزعتر، جسر الباشا، الضبية). وقد أعيد تأهيل هذا الأخير وهو مسكون جزئيا.
من حيث التاريخ، نعلم ان تدفق اللاجئين الفلسطينيين الى الأراضي اللبنانية والسورية بدأ قبل بدء الحرب العربية ـ الإسرائيلية عام 1948. والسبب هو ان الجيوش الصهيونية شرعت في احتلال قرى الجليل الأعلى وإجلاء سكانها منذ النصف الثاني من العام 1947، علما بان الجليل الأعلى يقع ضمن حدود فلسطين العربية بحسب قرار التقسيم، فيصل الدولة الفلسطينية بلبنان وسوريا. ولا بد من ان هذا التدفق بلغ درجة من الكثافة حدا بالرئيس بشارة الخوري لزيارة احد مراكز استقبال اللاجئين في جنوب لبنان في 23 نيسان 1948 (حيث دعا اللبنانيين الى حسن استقبال إخوتهم الفلسطينيين). وتفيد انباء تلك الأيام عن تعاون حزبي الكتائب والنجادة، شريكي معركة الاستقلال، على تقديم العون للاجئين، وفي الوقت ذاته، كانت السلطات اللبنانية تحصي الفلسطينيين الموجودين على الأراضي اللبنانية من اجل تعبئتهم وتدريبهم للقتال في فلسطين.(2)
كان الجو جو تعبئة للحرب. ولبنان آنذاك يؤوي الحاج امين الحسيني، رئيس الهيئة العربية العليا، الى كونه مقر قيادة "جيش الإنقاذ" الذي يضم متطوعين عربا للقتال في فلسطين بقيادة فوزي القاوقجي. بين حين وآخر تعلن السلطات اعتقال شبكات تهريب لليهود (السوفيات خصوصا) الى فلسطين عبر لبنان من طرق البحر والبر. ومئة من طلاب الجامعة الأميركية في بيروت ينظمون اضراباً عن الطعام مطالبين الحكومات العربية بالتدخل في فلسطين. فلا تلبث السلطات اللبنانية والسورية ان ترد على الغليان الطلابي بقرار اغلاق المؤسسات التعليمية.
تبدأ الهواجس حول الوجود الفلسطيني ما ان تضع الحرب أوزارها بالهزيمة المعروفة. ويبدأ البحث الجاد في مصير اللاجئين على الأراضي اللبنانية بعد توقيع اتفاقية الهدنة اللبنانية ـ الإسرائيلية يوم 23 آذار 1949، وإثر فشل مفاوضات جنيف العربية ـ الإسرائيلية بعد رفض إسرائيل البحث في عودة اللاجئين ورد وفود مصر وسوريا ولبنان والاردن برفض البدء بمفاوضات سلام.
في نيسان 1949 كان عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قد وصل الى حوالى 125 ألفا. ومن أوائل رافعي الصوت حول هذا الموضوع ميشال شيحا، المصرفي، والصحافي الفرنكوفوني، والقومي اللبناني والمؤدلج البارز للنظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الى كونه شقيق زوجة الرئيس بشارة الخوري واقرب مستشاريه. طوال الازمة الفلسطينية، كان شيحا العضو الثالث في اللجنة التي اشرفت على قيادة الحرب مع بشارة الخوري ورياض الصلح. دعا شيحا الى مساهمة لبنان في الحرب، وكتب رافضا وقف اطلاق النار، الا انه اخذ ينبه الى "الأعباء والمخاطر" المحدقة بلبنان وتوازناته الدقيقة جراء ذاك العدد من اللاجئين الفلسطينيين على أرضه. فدعا صراحة الى اعادة توزيعهم على سوريا والاردن وغزة.(3)
لم يكن موقف شيحا بدون مترتبات عملية. تتحدث جريدة "الصحافي التائه" لمحررها اسكندر الرياشي في تلك الأيام عن شاحنات للجيش تنقل لاجئين فلسطينيين من جبل عامل وتلقي بهم على الحدود الشمالية والشرقية مع سوريا. ترفض السلطات السورية استقبالهم. وتتكرر المحاولات بحسب الصحيفة المذكورة. ويبقى هؤلاء معلقين بين الحدود.
هل يفسّر هذا التقاذف وجود المخيمات الفلسطينية في البقاع والشمال؟ في ذلك بعض التفسير.
لنعد الى دعوة شيحا التوزيعية. لماذا فشل شيحا في مسعاه، وله ما له من وزن رسمي؟ يأتي جواب محتمل من اجواء "حرب السنتين". في آب 1975، اجرت الاذاعة الفرنسية ندوات لتقييم اسباب النزاع المسلح ونتائجه. جمعت احدى الندوات أمين الجميل وفؤاد افرام البستاني وهنري إده. عزا البستاني، المؤرخ وعضو "الجبهة اللبنانية"، سبب الحرب الى "تراكم الاغراب: الاشخاص الاغراب. المال الغريب، السلاح الغريب". وقال ان المشكلة تعود الى توافد الفلسطينيين عام 1948 الذين دخلوا بما هم لاجئون ثم ما لبث وجودهم ذاته ان اخذ يهدد التوازن بين الطوائف التي لم تعد تريد ان "تقتسم الخيرات نفسها والواجبات نفسها". ولما سئل البستاني عن سبب قبول لبنان الرسمي واللبنانيين الذين ينطق البستاني باسمهم بهذا الوجود الفلسطيني المخل بتوازناته، اجاب البستاني ان لبنان لم يقبل بل رضخ رضوخا لضغوط رسمية بريطانية مورست عليه.
في الندوة ذاتها، رفض المهندس والوزير السابق هنري إده تحميل المسؤولية عن الحرب لـ"الأغراب". وانتقد التعامل الرسمي مع اللاجئين الفلسطينيين منذ البداية. "لم نستقبل الفلسطينيين برحابة صدر"، قال "ولم نقدم لهم ابسط الشروط الصحية والمعيشية الضرورية. لا ماء ولا كهرباء ولا مجارير ولا طرقات. ولا خدمات". أما عن توزيع المخيمات، فقال: "نحن الذين وضعناهم قرب المدن، ولم نضعهم على الحدود وذلك تلبية لرغبة رجال الأعمال الذين يحتاجون الى يد عاملة رخيصة".(4)
تفسير يدعو للتأمل. فلبنان الأربعينيات كان لا يزال يملك سهلا زراعيا ساحليا يمتد من صور الى طرابلس ينتج الحمضيات ويصدّرها، بل ان لبنان كان ينافس حمضيات فلسطين في فترة ما بين الحربين. ومن جهة ثانية، كانت الصناعة اللبنانية في حالة نمو من نتائج الحرب العالمية الثانية. وهو فوق ذلك محكوم اقتصاديا من قبل "الكونسورسيوم" الذي تتربع على رأسه دزينة من اسر رجال الأعمال تربطها جميعها صلات قربى او مصاهرة برئيس الجمهورية.
في كل الاحوال: هكذا تبدأ القصص.
البريطانيون فرضوا على لبنان الرسمي القبول بالإقامة الفلسطينية. والعوامل التي قضت بتوزيع المخيمات والبشر تتراوح بين الفشل في تهجير اللاجئين الى سوريا وبين تلبية حاجات رجال الاعمال الى الايدي العاملة الرخيصة.
مجرد بداية. بداية تستفز لكشف النقاب عن مكبوت. تنتظر من يلتقط الاشارة، ليروي القصة كاملة.

(1) فواز طرابلسي، قضية لبنان الوطنية والديموقراطية، 1978، ص 14. (2) انظر: نصري انطوان دياب، سنة المصير: 1948 المواجهة اللبنانية الإسرائيلية، 1992. (3) فواز طرابلسي، صلات بلا وصل، 1999، ص 284. (4) "السفير"، 9 آب 1975.